الشيخ محمد هادي معرفة
18
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وازداد في القرن الثالث فما بعد ، في الأخذ في التنوّع ، وتلوّنه بألوان العلوم والمعارف والثقافات التي كانت دارجة في تلك العصور . تدرّج التفسير وتلوّنه وفي هذا الدور أخذ التفسير يخطو من مرحلة إلى أخرى ويزداد توسّعا وتنوّعا . فقد انتقل من دور التفسير بالمأثور إلى دور الاجتهاد العقليّ ، وإعمال النظر والرأي ، واستنباط معاني القرآن الكريم في ضوء الأدب - أوّلًا - ثمّ في ضوء أنواع العلوم والمعارف التي كان ذلك العهد آهلًا بها ، مضافا إليه بعض النظرات الفلسفيّة الكلاميّة ، ممّا نشأ على يد أرباب الكلام وذوي النزعات المذهبيّة العقائديّة ، وكانت متنوّعة ذلك العهد . كلّ ذلك أثّر في التفسير ، وزاد في حجمه ، كما جعله على أنواع وأشكال مختلفة . فمنهم من اقتصر على أسلوب السلف بالاكتفاء بالتفسير بالمأثور من أقوال الصحابة وكبار التابعين ، ومنهم من زاد عليه بالتوسّع في اللغة والأدب ، ومنهم من تجاوز إلى معارف اخر من فلسفة وكلام ؛ وبذلك تلوّن التفسير حسب ألوان الثقافات الموجودة آنذاك . ولكلّ من هذه الألوان والأنحاء التفسيريّة مميّزاته ومشخّصاته ، بها يمتاز كلّ نوع من التفسير عن سائر الأنواع ، ومنهم من جمع بين هذه الألوان أو بعضها ؛ فكانت تفاسير جامعة تتعرّض لمختلف أبعاد التفسير ، كاللغة والأدب والكلام ، إلى جنب المأثور من الأحاديث الواردة ونقل الأقوال . وقد كثر في العهد المتأخّر هذا النمط الجامع من التفسير ، كما قد زاد عليه المتأخّرون جوانب الشّؤون الاجتماعيّة والسياسيّة التي تعرّض لها القرآن ، وبسّطوا القول فيها حسب حاجة الزمن . وهكذا تدرّج التفسير ، واتّجهت الكتب المؤلَّفة فيه اتّجاهات متنوّعة وتحكّمت الاصطلاحات العلميّة والعقائد المذهبيّة في عبارات القرآن الكريم ، فظهرت آثار الثقافة الفلسفيّة والعلميّة للمسلمين في تفسير القرآن ، كما ظهرت آثار العرفان الصوفيّ ، وآثار